Friday, October 2, 2015

وقاية النشء من الوقوع في التطرف والإرهاب: نظرة نفسية وتربوية

د. علي بن صديق الحكمي


مع تزايد مشكلة وقوع النشء في براثن التطرف والإرهاب، يبرز دور الوقاية أساسياً لحمايته من الوقوع فيهما.  الوقاية التي تصمم برامجها وفق أسس علمية منتظمة وليست جهوداً مشتته لا توظف أساليب الإقناع والتأثير والتنشئة الاجتماعية المناسبة ويشارك المجتمع جميعاً في تنفيذها.  وكما يقول المثل الإفريقي "تحتاج بلدة كاملة لتنشئة طفل واحد" فنحن نحتاج المجتمع مؤسسات وأفراداً للعمل وفق توجه واحد لوقاية النشء من الانحراف والتطرف.

إن فهم الأساليب التي يستخدمها المتطرفون لتغيير اتجاهات النشء واستقطابهم مدخل مهم لتصميم برامج الوقاية ولمساعدتنا للتعامل الفعال معها.  وسأقدم فيما يلي ملخصاً لبعض تلك الأساليب والشعارات وكيف يمكننا التعامل معها:


تعيش لهدف سامٍ، والآخرون يلهون
هذه الإستراتيجية تستهدف الفراغ الذي يعيشه بعض النشء بعدم وجود أهداف لحياتهم يسعون لتحقيقها.  هنا يكون من أهم أسس الوقاية تربية النشء ليكون له أهدافاً في الحياة يكرس جميع جهوده وتفكيره وطاقته من أجلها.  فمن لديه هدف وتعلم كيف يحققه سيستمر في طريق ذلك، أما من يعيش بدون هدف فهذا يسهل اختطافه لتحقيق أهداف الآخرين والتضحية بحياته "وحياة الآخرين" ثمناً لذلك.


أنت غضبان، إذاً انتقم:
يستخدم المتطرفون أسلوب إثارة روح الغضب لدى النشء حول مختلف جوانب حياتهم وحياة مجتمعهم ودفع صاحبها للانتقام. ونستطيع كمربين وقاية النشء من ذلك بأن نعلمهم أن يفرقوا بين الغضب والسلوك الذي قد ينتج عنه، فمن الطبيعي أن يغضب الإنسان، ولكن ليس من الطبيعي أن ينتقم بنفسه، أو أن يسمح لمشاعر الغضب أن تتحول لكراهية تمنعه من التمييز بين الصواب والخطأ.  إن تربية النشء على التحكم في الغضب وإتاحة الفرص لهم لتحويله لقوة إيجابية تدفعهم للعمل والانتاج هو من أهم المسؤوليات التي يجب أن تتصدى لها الأسرة والمدرسة والمجتمع المحلي.


نحن وهم:
التصنيف أحد أهم الوسائل التي يستخدمها المتطرفون لاستقطاب النشء لأفكارهم أو جماعاتهم، وهذا يعتمد على وجود حاجة نفسية أساسية لدى جميع الناس: الحاجة للانتماء. وتستغل هذه الحاجة عند بعض الشباب، فيوفرها لهم المتطرفون، فيصبح الشاب منتمٍ لكيان، له أفكاره وأهدافه الواضحة، كيان يشعر أتباعه أنهم "أفضل وأكمل وأنقى" من الآخرين، وأن الآخرين لا قيمة لحياتهم. وبالتالي، فهم لا يستحقون العيش ناهيك عن التعايش.  هنا تكون وقاية الشباب بغرس الانتماء لديهم لدينهم الحنيف ولوطنهم ومجتمعهم منذ مرحلة عمرية مبكرة، وتوفير مؤسسات مجتمعية تشبع لديهم هذه الحاجة مثل مراكز الأحياء والأندية التي تقدم أنشطة متنوعة وزيادة تماسك المجتمع المحلي والجيران.


اتبعني، معصوب العينين:
هذه استراتيجية أخرى مهمة يستخدمها المتطرفون، اتبعني أوصلك الطريق الصحيح لتحقيق "أهدافك"، ليس هناك داعٍ، أيها الشاب، لأن تفكر باستقلالية فنحن نفكر نيابة عنك. وبالتالي طمس التفرد والاستقلالية لديه وجعله يتحرك وفقاً لما يريدون. في هذه الحالة، تتحقق الوقاية بتربية ليكون مستقلاً في تفكيره يقدر عواقب أفعاله على نفسه وعلى الآخرين. إن البيئة الأسرية والمدرسية والمجتمعية التي تشجع التساؤل ولا تكبته، وتدعم الحوار الحقيقي، هي التي يخرج منها جيل يسير في دروب الحياة بثقة ومسؤولية وشخصية وتفكير مستقلين.


نمهد لك السبيل لتصبح بطلا:
يتطلع النشء عادة لأن يكونوا أبطالاً يشار لهم بالبنان. ويستغل المتطرفون هذه الحاجة عندما يشعرون الشاب بأنه هو أيضاً يمكن أن يكون بطلاً عن طريقهم وفقاً لمفهوهم المنحرف للبطولة. وللوقاية من استغلال ذلك، فإننا بحاجة إلى "تحرير" مفهوم البطولة عند الشباب وإقناعهم أن محورها الأساس هو عمل الخير ونبذ الشر، وأنها لا تتحقق بالقتل وإلحاق الضرر.  إن من الضروري أن نعلم أطفالنا وشبابنا أن نصرة الدين لا تكون بالهدم والقتل والإرهاب، وإنما تكون بالعلم والعمل والبناء والمحافظة على الوطن قوياً ومتماسكاً وآمناً، وإتاحة الفرص لهم لأن يكونوا أبطالاً حقيقيين من خلال توفير مشاريع إنتاجية تتيح لهم إظهار طاقاتهم الكامنة وتحتفي بإنجازاتهم.

No comments: